المقريزي
38
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
الخراب في المحنة زمن المستنصر ، أمر الوزير الناصر للدين عبد الرحمن البازوريّ ببناء حائط يستر الخراب إذا توجه الخليفة إلى مصر ، فيما بين العسكر والقطائع وبين الطريق ، وأمر فبنى حائط آخر عند جامع ابن طولون . فلما كان في خلافة الآمر بأحكام اللّه أبي عليّ منصور بن المستعلي بالله ، أمر وزيره أبو عبد اللّه محمد بن فاتك المنعوت بالمأمون البطائحيّ ، فنودي مدّة ثلاثة أيام في القاهرة ومصر ، بأن من كان له دار في الخراب أو مكان يعمره ، ومن عجز عن عمارته يبيعه أو يؤجره ، من غير نقل شيء من أنقاضه ، ومن تأخر بعد ذلك فلا حق له ولا حكر يلزمه ، وأباح تعمير جميع ذلك بغير طلب حق ، فعمر الناس ما كان منه مما يلي القاهرة ، من حيث مشهد السيدة نفيسة إلى ظاهر باب زويلة ، ونقلت أنقاض العسكر ، فصار الفضاء الذي يوصل إليه من مشهد السيدة نفيسة ، ومن الجامع الطولونيّ ، ومن قنطرة السدّ ، ويسلك فيه إلى حيث كوم الجارح . والعامر الآن من العسكر جبل يشكر الذي فيه جامع ابن طولون وما حوله إلى قناطر السباع . كما ستقف عليه إن شاء اللّه تعالى . جامع ابن طولون هذا الجامع موضعه يعرف بجبل يشكر . قال ابن عبد الظاهر : وهو مكان مشهور بإجابة الدعاء ، وقيل أنّ موسى عليه السّلام ناجى ربه عليه بكلمات . وابتدأ في بناء هذا الجامع الأمير أبو العباس أحمد بن طولون بعد بناء القطائع ، في سنة ثلاث وستين ومائتين . قال جامع السيرة الطولونية : كان أحمد بن طولون يصلّى الجمعة في المسجد القديم الملاصق للشرطة ، فلما ضاق عليه بنى الجامع الجديد ، مما أفاء اللّه عليه من المال الذي وجده فوق الجبل في الموضع المعروف بتنور فرعون ، ومنه بنى العين . فلما أراد بناء الجامع قدّر له ثلاثمائة عمود ، فقيل له : ما تجدها ، أو تنفذ إلى الكنائس في الأرياف والضياع الخراب ، فتحمل ذلك ، فأنكر ذلك ولم يختره ، وتعذب قلبه بالفكر في أمره ، وبلغ النصرانيّ الذي تولى له بناء العين ، وكان قد غضب عليه وضربه ورماه في المطبق الخبر . فكتب إليه يقول : أنا أبنيه لك كما تحب وتختار بلا عمد إلّا عمودي القبلة ، فأحضره وقد طال شعره حتى نزل على وجهه ، فقال له : ويحك ما تقول في بناء الجامع ؟ فقال : أنا أصوّره للأمير حتى يراه عيانا بلا عمد إلّا عمودي القبلة . فأمر بأن تحضر له الجلود ، فأحضرت ، وصوّره له فأعجبه واستحسنه ، وأطلقه وخلع عليه ، وأطلق له للنفقة عليه مأئة ألف دينار . فقال له : أنفق ، وما احتجت إليه بعد ذلك أطلقناه لك . فوضع النصرانيّ يده في البناء في الموضع الذي هو فيه ، وهو جبل يشكر ، فكان ينشر منه ويعمل الجيرو يبني إلى أن فرغ من جميعه ، وبيّضه وخلّقه وعلّق فيه القناديل بالسلاسل الحسان الطوال ، وفرش فيه الحصر ، وحمل إليه صناديق المصاحف ، ونقل إليه القرّاء والفقهاء ، وصلّى فيه بكار بن قتيبة القاضي ، وعمل الربيع بن سليمان بابا فيما روي عن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « من بنى للّه مسجدا